الثعلبي

126

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليردنّ الحوض من صحبتي أقوام حتى إذا رأيتهم اختلجوا دوني ، فلأقولن : أصحابي ، أصحابي ، فيقال لي : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى » [ 96 ] « 1 » . وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ هؤلاء أهل طاعته والوفاء بعهده ، فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ : جنّة اللّه هُمْ فِيها خالِدُونَ إلى وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ فيعاقبهم بلا جرم . وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ . كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ . الآية . قال عكرمة ومقاتل : نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ وسالم مولى أبي حذيفة ، وذلك أن ابن الصيف ووهب بن يهود اليهوديين قالا لهم : إن ديننا خير مما تدعوننا إليه ونحن خير وأفضل منكم . فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ هم الذين هاجروا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة . وروى جويبر عن الضحاك قال : هم أصحاب محمد خاصة الرواة الدعاة الذين أمر اللّه عز وجل بطاعتهم . يدل عليه ما روى السدي أن عمر الخطاب قال : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، قال : تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا . وعن عمر بن الحصين قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « طوبى لمن رآني ولمن رأى من رآني ولمن رأى من رأى من رأى « 2 » من رآني » [ 97 ] « 3 » . الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه » [ 98 ] « 4 » . وقال آخرون : هم جمع المؤمنين من هذه الأمة وقوله : كُنْتُمْ يعني أنتم كقوله : مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا « 5 » أي من هو في المهد . وإدخال ( كان ) واسقاطه في مثل هذا المعنى واحد ، كقوله : وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا « 6 » وقال في موضع آخر : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ « 7 » . وقال محمد بن جرير « 8 » : هذا بمعنى التمام ، وتأويله : خلقتم ووجدتم خير أمة .

--> ( 1 ) مسند أحمد : 3 / 381 و 5 / 50 . ( 2 ) كذا في المخطوط مكرّرة . ( 3 ) المعجم الصغير : 2 / 34 ، ومعرفة علوم الحديث للحاكم : 288 . ( 4 ) مسند أحمد : 3 / 11 ، وسنن الترمذي : 5 / 357 . ( 5 ) مريم : 29 . ( 6 ) الأعراف : 86 . ( 7 ) الأنفال : 26 . ( 8 ) جامع البيان للطبري : 4 / 62 .